تحميل...
إلغاء التحميل المسبق

كريمة عبد الصبور.. أم لفتاة من ذوي الإعاقة بدرجة مقاتلة

في قرية القرامطة التابعة لمركز ساقلته بمحافظة سوهاج، تعيش كريمة عبدالصبور وهي أم لفتاة "خلود" من ذوي الإعاقة الحركية والذهنية، في مرحلة المراهقة، وترتيبها الثاني بين إخوتها الثلاثة، اكتشفت الأم إعاقة طفلتها، وهي تقترب على العامين من عمرها، حين لاحظت أنها لا تتحرك بالشكل الطبيعي ولا تجلس إلا إذا ساعدها أحد أفراد الأسرة.

منذ تلك اللحظة بدأت رحلة معاناة امتدت لسنوات طويلة بين المستشفيات والأطباء من ناحية وبين المجتمع وعائلتها من ناحية ثانية، تقول كريمة وهي تستعيد بعض الذكريات المؤلمة "رمحنا بيها كتير على الدكاترة، لكن كمان رمحت بيها كتير علشان أخد حقها من المجتمع والناس إللي دايمًا كانوا يقولولي جملة واحدة متتعبيش نفسك معاها كانوا يعتبروها عار".

كريمة واحدة من النساء التي قمعتها الظروف، تعرضت لعنف أسري شديد قبل زواجها، وعايشت التمييز السلبي بين الأولاد والبنات داخل منزلها، وخاضت رحلة شاقة حتى حصلت على دبلوم فني وسط أيام مليئة بكراهية لتعليم الفتيات وعنف جسدي وأعمال منزلية شاقة، حسب وصفها وماعايشته تخاف كريمة على "خلود" لذا، تحاول أن تجعل حياتها أفضل حتى تستطيع الاعتماد الكلي على نفسها، فقررت أن تعلمها رغم الظروف ورغم المجتمع ورغم الفقر الذي يقف عائقًا، مدارس كثيرة أغلقت أبوابها في وجه خلود،  والمدرسة الوحيدة التي قبلتها كانت على بُعد ساعتين من البيت، لم تستسلم الأم. كل يوم كانت ترسل ابنتها ب"توك توك"، وتحرص أن يكون السائق شخصًا موثوقًا، وإن لم تجد وسيلة، كانت تترك مابيدها وتأخذها لمدرستها ذهابًا وإيابًا. 

سمعت كريمة الكثير من الكلمات القاسية والمحبطة، فمثلًا كان زوجها يرى أن هذا التعب المبذول لأجل تعليم "خلود" ليس له ثمر "تعب على الفاضي وكده كده مش هتفهم حاجة"، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، لكن تعرضت خلود للضرب والسخرية في محيطها، تحكي الأم " اعتادت خلود على الجلوس عند عمود بجوار المنزل، تجلس صامتة وهي تثني قدمها لأنها لا تستطيع الجلوس باستقامة، فإذا طفل يأتي يوميًا ويدفعها بقدمه ويتركها تبكي" حين لاحظت كريمة ذهبت إلى أسرة الطفل ودافعت عن طفلتها بصرامة وقررت الذهاب لقسم الشرطة إذا حدث وكرر فعلته. أما الموقف الثاني، رفعت الأم يدها وهي تشير إلى إصبعين مكسورين، الأول كٌسر على يد أخيها وهي طفلة، والثاني وهي تدافع عن طفلتها خلود التي تعرضت للتنمر والإهانة من قبل قريبتها وبناتها، كن يتنمرن عليها ويحاولن تعنيفها والسخرية منها عبر حركات غير لائقة، فخرجت لترجوهن التوقف، فوقع شجار كبير خسرت فيه إصبعها، لكنها تبتسم ابتسامة حزينة وتقول "حتى لو خسرت روحي فداها مقدرش أسيبها لوحدها".

تعرفت كريمة على مشروع دعم وتمكين ذوي الإعاقة بعد رحلة طويلة من البحث عن أي مساحة آمنة لأبنتها، تقول "الجمعية كلمتني قالتلي فيه مشروع عن ذوي الإعاقة تحبي تحضري، قولت أكيد وأخدت خلود معايا وروحنا مرتين تلاتة وعجبنا المكان وبقت خلود تروح قبل مني كمان"، تشير الأم إلى أن الفائدة الكبيرة في المشروع أنه يهتم بشكل حقيقي ولافت للاحتياجات الفعلية لذوي الإعاقة وأهمهم أن يتقبلهم المجتمع ويعاد دمجهم مرة آخرى، وتصف شعورها تجاه المشروع فتخبرنا "بيبقا ورايا هم ومشاكل وطبيخ وخبيز وحياة صعبة، لكن الساعة إللي بنقعدها هنا بتخفف عني وعن خلود".

تقول كريمة وهي تنظر إلى أبنتها خلود، خلود مبسوطة وسعيدة، كفاية أنها بقت بتخرج من البيت، وكفاية أني مش خايفة عليها هنا، أنا متأكدة أن هنا مفيش حد هيتنمر عليها أو يأذيها. 

تحمل كريمة الأم في قلبها حماسًا لأي شخص من ذوي الإعاقة، حضرت بشكل دائم جلسات الأقران، وكانت تتناقش بكل شجاعة وقوة، تعلمت الكثير وتعرفت على أشخاص أظهروا دعمهم لها ولكفاحها والأهم لخلود، لكنها لاتزال ترى أن رحلتها لم تكن موفقة وأنها تحاول أن تفعل المزيد لأبنتها، تحاول أن تنقل خبرتها التي اكتسبتها في المشروع للأهالي من حولها، تحاول أن تغير في فكر قريتها وعائلتها بالمقاومة والاستمرار، تقول "اللي عنده طفل معاق ويقدر يطلعه حاجة كبيرة هيفضل سعيد كده وحتى وهو ميت على وشه ابتسامة". لم تنتهي رحلة كريمة بعد، لاتزال أبنتها في حاجة إلى تدخلات طبية، ولاتزال تحارب يوميًا لأجلها، لكنها تختم حديثها وتقول "أنا سعيدة أني جيت المشروع هنا، سعيدة أن أخيرًا حد طبطب عليا أنا وخلود، وبتمنى أن المشروع يستمر ويكون طوق نجاة لكل ذوي الإعاقة".