تحميل...
إلغاء التحميل المسبق

عم صبحي نحات يصنع من الخشب حكايات

كان عم صبحي، الذي قضى 35 عامًا في النحت، يتكئ على الخشب كما لو كان يتكئ على عمره كله، يمرر يده فوق السطح الأملس، يبتسم ابتسامة يعرفها الخشب جيدًا، ابتسامة من عاش معه طويلًا حتى صار بينهما لغة مميزة. 

خمسة وثلاثون عامًا ليست رقمًا، بل خلاصة رحلة بدأت مبكرًا، حين كان لا يزال مراهقًا لم يعرف من الدنيا سوى العمل، غادر قريته حجازة بمحافظة قنا إلى الغردقة، عاملًا بسيطًا يبحث عن قوت يومه، قبل أن يصادف رجلًا سيغير مسار حياته إلى الأبد..وهو الأب بطرس.

رأى فيه الأب بطرس شيئًا مختلفًا، فدعاه للانضمام إلى ورشة لتعلم النحت ضمن مجموعة صغيرة من عشرة أفراد، عاد صبحي إلى قريته، والتحق بورشة جمعية الصعيد في حجازة. كانت ورشة متواضعة في شكلها، لكنها عامرة بالأحلام، عشرة أيادي تمسك "الإزميل" للمرة الأولى، تتعلم، تخطئ، وتعيد المحاولة، وتتشارك الشغف والبدايات. 

قبل النحت، كان صبحي يعمل في الخرسانة، لكن الخشب فتح له بابًا آخر؛ علمه أن المادة الجامدة يمكن أن تصير حية، وبالفعل أحب النحت بل وقع في غرامه.

يعود صبحي بذاكرته، ويحكي: أول قطعة نحتها كانت مركب شمس صغيرة حين انتهيت منها، نظر إليها أبونا بطرس طويلًا، ثم قال له: "ممكن آخدها ذكرى؟" في تلك اللحظة، شعر صبحي بشيء لم يعرفه من قبل: التقدير والدعم، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد النحت مجرد صنعة، بل صار حياته كلها.

صبحي لم يُكمل تعليمه، فكانت الورشة مدرسته الوحيدة، كان الأكثر التزامًا بين زملائه، يعمل صباحًا ومساءً؛ من الثامنة والنصف حتى منتصف النهار، ثم يعود بعد استراحة قصيرة ليكمل. وحين تسأله لماذا يحب نحت السمك تحديدًا، يبتسم ببساطة ويقول:
لأن أبونا بطرس كان يحب السمك.
كان يرى فيه "لمسة اليد" بوضوح، ويحب القطع التي تضم سمكتين أو ثلاثًا، وكان يفضلها ثلاث سمكات دائمًا، أحب صبحي السمك لأنه أحب ما كان يحبه معلمه.

كبر صبحي، تزوج، وأنجب، صار له ابنان: أبانوب وناريمان، تزوجت ناريمان، وصار جدًّا لحفيدة صغيرة، وأما أبانوب فاختار أن يعلمه النحت مهنته التي اتقنها الأن، ومع تقدم العمر، كبرت أحلامه أيضًا، خاصة للمكان الذي تربى وتعلم فيه، ورغم جمال القطع التي صنعها العم صبحي على مدار السنوات، لكنه ببساطة لا يدعي امتلاك لمسة خاصة أو عبقرية منفردة، بل يؤمن بشيء واحد "لمسة اليد"، هي الفارق الحقيقي التي تميزه وتميز القطع الخاصة بجمعية الصعيد، تظهر في التشطيب، وفي الروح، وفي التفاصيل التي لا تقلد، خمسة وثلاثون عامًا جعلت هذه اللمسة جزءًا من هويته، ومن هوية المكان كله.

يختم  حكايته ويقول: الورشة بالنسبة لي مش مجرد مكان عمل دي كياني كله، اتربيت هنا واتعلمت هنا والجمعية فتحت لي بابها وبقت جزء مني.

يحلم عم صبحي أن يعلم شبابًا آخرين وأن تمر الصنعة من يده إلى يدٍ أخرى، كما مرت إليه يومًا.