ميرنا، 31 عامًا، وُلدت في القاهرة ونشأت كطفلة مجتهدة ومتفوقة دراسيًا، لم تكن أحلامها استثنائية؛ فقط أن تُكمل تعليمها وتبني لنفسها مستقبلًا مستقرًا، لكن هذا المسار توقف مبكرًا، وهي في الصف الأول الإعدادي، عندما أصيب والدها بنزيف في المخ أدى إلى شلل نصفي.
في لحظة واحدة، تغير كل شيء، تحولت ميرنا من طفلة إلى فتاة تتحمل مسؤوليات تفوق سنها، كانت تذهب يوميًا إلى المستشفى، تجلس بجوار والدها، تساعده في أبسط تفاصيل حياته، بل أمضت نحو 25 يومًا كاملة في المستشفى، تنام أسفل سريره، خوفًا من أن يُطلب منها المغادرة وتتركه وحده. كانت التجربة قاسية نفسيًا، خاصة لطفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة.
دخلت ميرنا الامتحانات في تلك الفترة ونجحت، لكنها حصلت على مجموع أقل كثيرًا من مستواها المعتاد. وبعدها، ازدادت الظروف صعوبة؛ توقف الأب عن العمل، واضطرت الأم للخروج إلى سوق العمل، لكن الدخل لم يعد كما كان. مع الوقت، تراجعت أولوية التعليم داخل الأسرة، والتحقت ميرنا بدبلوم تجارة بدلًا من التعليم العالي الذي كانت تطمح إليه، ليس لعدم قدرتها، بل لأن الظروف كانت أقوى.
كبرت ميرنا، وتزوجت، وانتقلت للعيش في مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا؛ الانتقال من القاهرة إلى الريف لم يكن سهلًا. شعرت بالغربة، وبأن إيقاع الحياة أبطأ، وأن فرص التطوير محدودة، ولكن زوجها كان داعمًا ومتفهمًا، من عائلة مستقرة، ولم يقصر معها ماديًا أو معنويًا لكنها، رغم الاستقرار، لم تشعر بالاكتفاء، كانت تريد شيئًا أبعد وأعمق.
مر 12 عامًا من الزواج، تراكم خلالها الإحباط، ووصلت إلى مرحلة شعرت فيها بأن كل الأبواب أُغلقت، قررت وقتها أن تركز على تربية أولادها، وأن تعوض فيهم ما لم تستطع تحقيقه لنفسها، جربت العمل من المنزل، وخاضت أكثر من تجربة لم تنجح، ثم توقفت فترة.
وفي وقت ظنت فيه أن الفرص انتهت، سمعت عن مشروع لتمكين السيدات تقدمه جمعية الصعيد فتقدمت، وهي تحمل مزيجًا من الخوف والأمل، منذ أول لقاء، شعرت بتغير داخلي، إحساس بأن هناك طريقًا جديدًا بدأت ملامحه تتشكل.
تعلمت مهارات خلال الجلسات، لم تكن مرتبطة بالمهنة فقط، بل بالحياة ومنها؛ اتخاذ القرار بعقلانية، إدارة الوقت، تنظيم الدخل، التفرقة بين الاحتياجات والأولويات، وفهم تأثير الضغوط المالية على قرارات الإنسان، الأهم من ذلك، أنها تعلمت الثقة في نفسها، كانت ميرنا بطبعها خجولة، لكن مع اجتماع بعد الآخر، بدأت تتحدث، تشارك، وتسأل، لم يختفِ الخجل، لكنه لم يعد عائقًا؛ ثم بدأت تعلم الخياطة، لا كحرفة فقط، بل كبداية جديدة.
اليوم، وهي في الـ31 من عمرها، ترى ميرنا نفسها بشكل مختلف. لا تعتبر نفسها متأخرة، بل "متكونة" المشروع لم يغير مهنتها فقط، بل غير نظرتها لنفسها، وأعاد لها الأمل.
تقول ميرنا إن التدريب ساعدها على تطوير أسلوب حياتها، ومنحها وعيًا أكبر بإدارة شؤونها المالية والأسرية، من الادخار والتخطيط، إلى الحوار داخل الأسرة، وتحمل المسؤولية، وتعزيز الثقة بالنفس وتختتم حديثها بتوجيه الشكر للمدربة مريم، التي استطاعت، بحسب وصفها، أن تنقل المعرفة والأفكار بشكل بسيط وقريب، وتترك أثرًا حقيقيًا في حياتهن.
English
Français

